الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
148
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومعنى فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا أنهم لا يؤمنون أبدا فهو من تأكيد الشيء بما يشبه ضدّه ، وأطلق القلّة على العدم . وفسّر به قول تأبّط شرّا : قليل التشكّي للمهمّ يصيبه * كثير الهوى شتّى النّوى والمسالك قال الجاحظ في « كتاب البيان » عند قول عون بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود يصف أرض نصيبين « كثيرة العقارب قليلة الأقارب » ، يضعون ( قليلا ) في موضع ( ليس ) ، كقولهم : فلان قليل الحياء . ليس مرادهم أن هناك حياء وإن قلّ » . قلت : ومنه قول العرب : قلّ رجل يقول ذلك ، يريدون أنّه غير موجود . وقال صاحب « الكشاف » عند قوله تعالى : « أإله مع اللّه قليلا ما تذكّرون » « والمعنى نفي التذكير . والقلّة مستعمل في معنى النفي » . وإنّما استعملت العرب القلّة عوضا عن النفي لضرب من الاحتراز والاقتصاد ، فكأنّ المتكلّم يخشى أن يتلقّى عموم نفيه بالإنكار فيتنازل عنه إلى إثبات قليل وهو يريد النفي . [ 47 ] [ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) أقبل على خطاب أهل الكتاب الذين أريد بهم اليهود بعد أن ذكر من عجائب ضلالهم ، وإقامة الحجّة عليهم ، ما فيه وازع لهم لو كان بهم وزع ، وكذلك شأن القرآن أن لا يفلت فرصة تعنّ من فرص الموعظة والهدى إلّا انتهزها ، وكذلك شأن الناصحين من الحكماء والخطباء أن يتوسّموا أحوال تأثّر نفوس المخاطبين ومظانّ ارعوائها عن الباطل ، وتبصّرها في الحق ، فينجدوها حينئذ بقوارع الموعظة والإرشاد ، كما أشار إليه الحريري في المقامة ( 11 ) إذ قال : « فلمّا ألحدوا الميت ، وفات قول ليت ، أشرف شيخ من رباوة ، متأبّطا لهراوة ، فقال : لمثل هذا فليعمل العاملون » إلخ ، لذلك جيء بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ الآية - عقب ما تقدّم - . وهذا موجب اختلاف الصلة هنا عن الصلة في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ [ آل عمران : 23 ] لأنّ ذلك جاء في مقام التعجيب والتوبيخ فناسبته صلة مؤذنة بتهوين شأن علمهم بما أوتوه من الكتاب ، وما هنا جاء في مقام الترغيب فناسبته صلة تؤذن بأنّهم شرّفوا بإيتاء التوراة لتثير هممهم للاتّسام بميسم الراسخين في جريان أعمالهم على وفق ما يناسب ذلك ، وليس بين الصلتين اختلاف في الواقع لأنّهم أوتوا الكتاب كلّه